الكاتب: Al3ar Email

  • برلمان الامتيازات لا التشريعات: عندما يخون النواب ثقة الناس

    في كل بلد تُقاس قيمة البرلمان بقدرته على خدمة الناس، إصدار القوانين، ومحاسبة الفاسدين. لكن في ليبيا، البرلمان تحول إلى كيانٍ منفصلٍ عن الواقع، لا يُشرّع، لا يُراقب، ولا يسمع صوت المواطن.

    بعد أكثر من عشر سنوات على انتخابه، لم يعد مجلس النواب مؤسسة متعثّرة فحسب، بل بات عقبة حقيقية أمام بناء الدولة، وعنوانًا للهدر، والانقسام، والجمود.

    في هذا المقال، نفتح الملفات المسكوت عنها: من ضعف التشريع إلى غياب الشفافية، من الامتيازات إلى الفشل في إدارة المرحلة الانتقالية، لنُجيب على سؤال جوهري:

    هل لا يزال هذا البرلمان يمثّل الليبيين؟ أم أنه يمثل فقط مصالح أعضائه؟

    في الوقت الذي تمر فيه ليبيا بمرحلة استثنائية من الانقسام السياسي والانهيار المؤسسي، يقف مجلس النواب في طبرق – الجهة المفترض أن تمثل الشعب وتسن القوانين – عاجزًا عن أداء أبسط وظائفه: سنّ التشريعات.

    منذ انتخابه في عام 2014، لم يصدر المجلس إلا عددًا محدودًا جدًا من القوانين، بعضها لا يتجاوز الأربعة قوانين في السنة، وفي أفضل حالاته لم يتخطَّ حاجز 14 قانونًا في عام كامل، بحسب تتبع أرشيف الجريدة الرسمية.

    وللمقارنة، فإن:

    • مصر تصدر أكثر من 150 قانونًا سنويًا، وتجاوزت في بعض السنوات 180 قانونًا.
    • تونس، رغم تعثر تجربتها الديمقراطية، مرّت بفترة أصدرت فيها أكثر من 70 قانونًا في عام واحد (2018).
    • أما السويد، الدولة التي تُعدّ مرجعًا في الأداء البرلماني، فيعتمد برلمانها سنويًا حوالي 200 قانون تشمل السياسات العامة والتفصيلية.

    في المقابل، فإن البرلمان الليبي بالكاد يجتمع، وإن اجتمع فلا يوجد نصاب، وإن توفر النصاب، فالنتائج غالبًا لا تُنشر، والقرارات تمر بعيدًا عن النقاش العام أو الإعلام. ومع غياب الإنتاجية التشريعية، يبقى الواقع الليبي معلّقًا على قرارات تنفيذية غير منظمة، أو اتفاقات خارجية لا تمر عبر البرلمان، بل قد يطّلع عليها الشعب من وسائل الإعلام فقط.

    والأخطر من ذلك، أن هذا الجمود التشريعي لا يعني فقط شللًا مؤسسيًا، بل حرمانًا مباشرًا للمواطن من حقوقه الأساسية؛ فلا قوانين تحميه من الفساد، ولا تحديث في التشريعات الاقتصادية لتحفيز فرص العمل، ولا إصلاحات قانونية لمؤسسات العدالة والمساءلة.

    أكثر من عشر سنوات مرت على انتخاب هذا البرلمان، ومع ذلك:

    • لا توجد قوانين واضحة للعدالة الانتقالية.
    • لم يتم إقرار قانون الاستفتاء على الدستور.
    • لم تصدر قوانين تنظيمية للسلطة المحلية ولا لتوزيع الموارد بشكل عادل.
    • والأهم: لم يُنجز أي قانون انتخابي توافقي جديد يُعيد الشرعية لمؤسسات الدولة.

    إذا كان المقياس الأول لأداء أي برلمان هو قدرته على التشريع خدمةً للمواطن وتنظيمًا للمجتمع، فإن البرلمان الليبي قد فشل فشلًا ذريعًا، ولا يزال مستمرًا في أداء باهتٍ لا يوازي خطورة المرحلة ولا حجم معاناة الناس.

    برلمان معزول عن الشعب: عندما تصبح الثقة معدومة والمساءلة غائبة

    في أي دولة تحترم مؤسساتها، تُبنى شرعية البرلمان على ثقة الشعب، ويُقاس نجاحه بقدرته على تمثيل صوت المواطن والدفاع عن مصالحه. لكن في ليبيا، الواقع مختلف تمامًا.

    تشير استطلاعات الرأي المستقلة – مثل الباروميتر العربي – إلى أن أقل من 10% من الليبيين يثقون بمجلس النواب. وهذه النسبة المتدنية ليست صدفة، بل انعكاس مباشر لأداء هزيل، وغياب شبه تام للتواصل مع المواطنين، وعجز مستمر عن تلبية تطلعاتهم.

    لماذا فقد الناس ثقتهم في البرلمان؟

    • لا تواصل مباشر مع الجمهور: منذ انتخابه في 2014، لم ينظم المجلس جلسات استماع عامة، ولا ورش عمل، ولا لقاءات دورية مع المجتمع المدني أو الفئات المتضررة.
    • لا وجود في الميدان: بينما تعاني المدن الليبية من أزمات الكهرباء والمياه والصحة والانقسام الإداري، لا نرى نوابًا يتقدمون بخطط أو يقودون جهودًا لتقديم حلول.
    • جلسات بلا نصاب، وقرارات بلا محتوى: معظم جلسات البرلمان تنتهي بالفشل بسبب غياب النصاب القانوني، وعندما تُعقد، تمر دون نتائج تُذكر أو إجراءات ملموسة.
    • انقسامات متكررة: تحول البرلمان إلى كيان سياسي منقسم بين الشرق والغرب، وظهر أكثر من برلمان فعلي أو موازي، ما زاد من الارتباك المؤسسي وفقدان الشرعية.
    • تجديد شرعية مؤجل منذ عقد: لم يُجرِ البرلمان أي انتخابات لتجديد ولايته منذ 2014، رغم انتهاء فترته القانونية، بل بقي في المشهد تحت ذرائع سياسية، مما عمّق شعور المواطنين بأنه لا يمثلهم.

    أين صوت المواطن؟

    لا توجد أي آلية مؤسسية في البرلمان تسمح للمواطنين بالمشاركة في صنع القرار أو تقديم شكاوى أو تتبع مواقف نوابهم. لا يُنشر سجل التصويتات، ولا توجد تقارير دورية لأداء الأعضاء، ولا خريطة توضح مشاريع القوانين حسب المناطق أو القطاعات.

    في مقابل ذلك، تقدم برلمانات مثل المغرب وتونس (قبل 2021) أدوات تواصل واستطلاع للرأي، وتنشر جداول الجلسات على الإنترنت، وتُتيح الوصول إلى النصوص التشريعية المقترحة، بل وتُبث الجلسات على الهواء مباشرة. أما في السويد، فكل مواطن يمكنه الاطلاع على سجل تصويت أي نائب، بل ومراسلة اللجان بشكل مباشر.

    برلمان بدون مساءلة

    في بيئة يغيب فيها التقييم الشعبي، تنعدم المساءلة السياسية. لم يُسأل أي نائب عن غيابه المستمر، ولم يُحاسب أحد على صمته أو تخليه عن دائرته. وهكذا، تحول البرلمان من مؤسسة تمثيلية إلى نخبة منعزلة تتداول السلطة داخل جدران مغلقة، بلا رقابة ولا مشاركة مجتمعية.

    مجلس مغلق الأبواب: الشفافية المفقودة في البرلمان الليبي

    البرلمان، في أي دولة تحترم نفسها، يجب أن يكون مرآة مفتوحة أمام الشعب، وأن تُبث جلساته، وتُنشر قراراته، ويُتاح للمواطنين الاطلاع على ما يجري داخله. أما في ليبيا، فالوضع مختلف تمامًا: مجلس النواب يعمل في الظل، وتغيب عنه معايير الشفافية الأساسية التي تشكّل جوهر أي نظام ديمقراطي.

    ماذا يعني أن البرلمان غير شفاف؟

    • الجلسات مغلقة: لا يُسمح بحضور الجمهور لجلسات البرلمان، ولا حتى لوسائل الإعلام المستقلة. الجلسات تتم غالبًا في أجواء مغلقة، وأحيانًا دون إعلان مسبق، أو حتى جدول أعمال واضح.
    • غياب محاضر الجلسات: لا يُنشر سجل رسمي مفصل لما يُقال ويُناقش داخل المجلس. المواطن لا يعلم من حضر، ومن غاب، ومن صوّت، ومن عارض.
    • لا نشر للتصويتات: لا توجد قاعدة بيانات تظهر مواقف النواب من القوانين أو الاتفاقيات أو القضايا المصيرية. النائب يصوّت باسم الناس، لكن دون أن يعلم الناس كيف صوّت.
    • انعدام النشرات التشريعية: مشاريع القوانين لا تُعرض للرأي العام، ولا توجد أي منصة إلكترونية تُمكّن المواطن أو المتخصص من الاطلاع عليها أو مناقشتها.

    لماذا هذا خطير؟

    الشفافية ليست رفاهية مؤسسية، بل هي الضمان الأساسي لمنع الفساد، وضمان تمثيل حقيقي. عندما لا يعرف المواطن ما الذي يفعله نائبه، ولا كيف يُدار البرلمان، تصبح السلطة بلا رقابة، والقرارات بلا مسؤولية، والفساد بلا حسيب.

    في المقابل، برلمانات الدول الأخرى، حتى في المنطقة، قطعت أشواطًا كبيرة في هذا المجال:

    • في المغرب، يمكن متابعة جلسات البرلمان مباشرة على قناة تلفزيونية مخصصة لذلك.
    • في تونس (قبل 2021)، كانت محاضر الجلسات تُنشر يوميًا، والبرلمان لديه بوابة إلكترونية تتيح تتبع كل مشروع قانون.
    • في السويد، تتوفر أرشيفات كاملة للتصويتات، واللجان البرلمانية تُبقي جلساتها مفتوحة، وتُستقبل ملاحظات المواطنين إلكترونيًا.

    أما في ليبيا، فكل ما يحصل المواطن عليه هو بيانات مقتضبة على صفحة فيسبوك، أو تسريبات إعلامية، أو بيانات متأخرة، وغالبًا بدون تفاصيل.

    النتيجة: شعب مُغيّب ومؤسسة بلا مساءلة

    هذا الغياب المنهجي للشفافية يجعل من البرلمان الليبي كيانًا فوق المحاسبة. لا أحد يعلم كيف تُدار موازنات المجلس، ولا كيف تُمنح الامتيازات، ولا كيف تُمرر بعض القوانين – إن مرّت أصلًا.

    أين تذهب أموال الدولة؟ برلمان بلا رقابة يبارك الهدر العام

    البرلمان لا يُقاس فقط بقدرته على التشريع، بل أيضًا بدوره في الرقابة على المال العام. فهو الجهة المفترض أن تُراجع الموازنات، وتُساءل الوزراء، وتُراقب أداء الحكومة، وتمنع أي تجاوز في الإنفاق أو العبث بالثروات. لكن في ليبيا، هذا الدور غائب أو بالأحرى مُعطّل عمدًا.

    الموازنة تمر… والرقابة لا تمر

    منذ سنوات، تمر الميزانيات العامة دون نقاش جدي، وأحيانًا دون إقرار قانوني واضح من مجلس النواب. وفي بعض الحالات، أقرّ المجلس ميزانيات حكومات متنازع عليها، بينما رفض أخرى على خلفيات سياسية لا علاقة لها بمحتوى الموازنة أو أولويات الإنفاق.

    والأخطر أن:

    • لا تُنشر تقارير تفصيلية عن كيفية تنفيذ الميزانية.
    • لا تُعقد جلسات استجواب أو مساءلة للوزراء بشأن الإنفاق أو الفساد المالي.
    • لا يتم تفعيل تقارير ديوان المحاسبة أو هيئة الرقابة الإدارية داخل قاعات البرلمان.

    الميزانية بعد فوات الأوان: البرلمان يُقنن الإنفاق بدلًا من مراقبته

    في سابقة تكشف عن خلل جوهري في أداء مجلس النواب، تم إقرار الميزانية العامة للدولة في سنتي 2023 و2024 في نهاية شهر ديسمبر، أي بعد مرور سنة كاملة من الإنفاق العملي دون غطاء قانوني معتمد.

    هذا يعني ببساطة أن:

    • الحكومة تصرفت في الأموال العمومية طوال العام بلا قانون مالي ساري المفعول.
    • البرلمان لم يناقش أو يراجع أو يُقيّم الصرف خلال العام، بل انتظر حتى نهايته ليُصدر قانونًا شكليًا يمنح الشرعية لما تم إنفاقه مسبقًا.
    • تم تفريغ قانون الميزانية من وظيفته الأساسية، وتحويله من أداة رقابية استباقية إلى مجرد وثيقة تبرير بأثر رجعي.

    والأخطر أن هذا الإجراء تكرر في سنتين متتاليتين، دون اعتراض داخلي أو تحقيق عام، ما يؤكد أن مجلس النواب تخلى عن واحدة من أخطر صلاحياته، وهي ضبط المال العام قبل صرفه، وتحول إلى أداة تقنين لهدره.

    في الأنظمة الديمقراطية، لا يُقر البرلمان الميزانية فقط، بل:

    • يستمع للوزراء.
    • يطلب تقارير مفصلة.
    • يرفض أو يعدّل بنودًا.
    • ويُفعل أدوات المحاسبة إن حصل تجاوز.

    لكن في ليبيا، يُقر مجلس النواب موازنات بمليارات بعد انتهاء السنة، دون نشر جداول الصرف، ودون حتى تبرير هذا التأخير.

    هذه ليست مجرد مخالفة إجرائية، بل انحراف مؤسسي، يجعل البرلمان جزءًا من منظومة الفساد بالصمت، بدلًا من أن يكون أداة لكشفه.

    لا يمتلك البرلمان الليبي – حتى اليوم – وحدة تحليل ميزانية قوية…

    غياب الأدوات الرقابية

    لا يمتلك البرلمان الليبي – حتى اليوم – وحدة تحليل ميزانية قوية، ولا خبراء اقتصاديين مستقلين يساعدون في فحص أرقام الحكومة. كما أن معظم النواب لا يطالبون بتقارير دورية من الجهات التنفيذية، ولا يظهرون أي اهتمام بتتبع الصرف الفعلي على المشروعات والخدمات.

    في المقابل:

    • البرلمان السويدي، على سبيل المثال، يمتلك سلطة كاملة لتعديل الموازنة، ويستطيع إسقاط الحكومة إن خالفت الإنفاق العام.
    • في تونس قبل 2021، كانت تُعقد جلسات علنية لمناقشة كل بند من بنود الموازنة، وتُستدعى الحكومة للرد.
    • في المغرب، تنشر تقارير مفصلة لديوان المحاسبة وتناقشها اللجان البرلمانية.

    أما في ليبيا، فكل ما يحصل هو تصويت عام على موازنة بمليارات، غالبًا دون نشر بنودها للناس، ولا حتى مناقشتها بجدية داخل اللجان المختصة.

    الهدر… ولا أحد يُسأل

    على مدى السنوات الماضية، تصاعدت التقارير عن الإنفاق المفرط، والازدواج المالي، والموازنات المتضخمة بلا رقابة، دون أن يُحاسب أي مسؤول تنفيذي، ودون أن يُحرك البرلمان ساكنًا.

    في بيئة سياسية منقسمة، غابت فيها سلطة الدولة الموحدة، بقي البرلمان طرفًا في شرعنة هدر المال العام بدلًا من أن يكون حارسًا عليه.

    المرأة الليبية مغيبة: برلمان لا يؤمن بالمساواة

    في الوقت الذي تسعى فيه دول كثيرة إلى تمكين المرأة سياسيًا وتعزيز مشاركتها في مواقع اتخاذ القرار، ما يزال البرلمان الليبي جامدًا في رؤيته، مستمرًا في تغييب المرأة عن المشهد التشريعي، وكأن الزمن توقف به عند عقد مضى.

    منذ انتخاب مجلس النواب في 2014، لم تتجاوز نسبة النساء فيه 16%، ولم يحدث أي تحسّن يُذكر منذ ذلك الحين. لم تُعقد انتخابات جديدة تسمح بإدماج نساء جدد، ولم تُتخذ أي مبادرات قانونية أو تنظيمية من داخل المجلس لدعم المرأة أو تمكينها من الترشح، أو ضمان حصتها في المناصب القيادية داخل اللجان البرلمانية.

    مقارنة محرجة مع دول الجوار

    • المغرب رفعت تمثيل النساء إلى أكثر من 24% في البرلمان عبر آلية اللوائح الوطنية والتمييز الإيجابي.
    • مصر خصصت في دستورها ربع مقاعد البرلمان للنساء، ما رفع النسبة إلى 27%.
    • الجزائر، رغم تراجعها في السنوات الأخيرة، وصلت في وقت سابق إلى أكثر من 30% تمثيل نسائي.
    • السويد، دولة الريادة في المساواة، تحتفظ ببرلمان تتجاوز فيه نسبة النساء 45%، وهي من الأعلى عالميًا.

    أما في ليبيا، فلا وجود:

    • لقانون انتخابي يفرض تمثيلًا نسائيًا عادلاً.
    • ولا لثقافة مؤسسية تُشجّع ترشح المرأة أو تُؤهلها سياسيًا.
    • ولا حتى لأصوات قوية داخل البرلمان تدافع عن هذا الحق.

    المرأة الليبية: حضور في الميدان وغياب في التشريع

    ما يجعل الوضع أكثر تناقضًا، أن المرأة الليبية حاضرة في المجتمع، والجامعات، والقطاع الصحي، والمجتمع المدني، وتتحمّل مسؤوليات جسيمة في ظل الحرب والانهيار الإداري، لكنها في البرلمان… مجرد رقم لا يتغير.

    لم نرَ نائبة تقود ملفًا تشريعيًا وطنيًا، ولا لجنة برلمانية تُعطى رئاستها لامرأة، ولا مبادرات لتطوير تشريعات من منظور النوع الاجتماعي. والنتيجة: تجاهل مزمن لقضايا النساء والفتيات، والعنف، والتمييز، والتمكين الاقتصادي والسياسي.

    برلمان يُعمّق الأزمة: عجز عن بناء الدولة أم رغبة في إبقائها منهارة؟

    من المفترض أن يكون البرلمان ركيزة الاستقرار في أي مرحلة انتقالية، وأن يكون المُبادر إلى بناء المؤسسات، ووضع الأسس الدستورية، والدفع نحو المصالحة الوطنية. لكن مجلس النواب الليبي فشل فشلًا ذريعًا في هذا الدور، وتحول إلى أحد أبرز أسباب استمرار الانقسام وتجميد المسار السياسي.

    فشل في تجديد الشرعية

    منذ انتخابه في 2014، لم يُجدّد البرلمان شرعيته. ومع انتهاء مدته القانونية، كان من المفترض أن يدعو إلى انتخابات جديدة – لكنه لم يفعل. بل على العكس:

    • تمسّك بالمناصب وواصل العمل دون تفويض شعبي.
    • عرقل محاولات إصدار قانون انتخابي توافقي يُنهي الجمود.
    • دخل في نزاعات دستورية مع مؤسسات أخرى مثل المجلس الأعلى للدولة، مما زاد من حدة الانقسام.

    لا دستور، لا مصالحة، لا انتقال

    • لم يقرّ البرلمان قانونًا نهائيًا للاستفتاء على الدستور، رغم اكتمال مسودة الهيئة التأسيسية منذ سنوات.
    • لم يطلق أي مبادرة جدية لتحقيق المصالحة الوطنية أو جبر الضرر، واكتفى بالتصريحات.
    • لم يسهم في هيكلة مؤسسات المرحلة الانتقالية، بل تسبب في ازدواجها (حكومتان، مصرفان، جهازا رقابة… إلخ).

    برلمان داخل الأزمة وليس فوقها

    بدلًا من أن يكون مجلس النواب جزءًا من الحل، أصبح طرفًا في المعادلة السياسية المتأزمة، يخضع للحسابات الإقليمية والضغوطات المحلية:

    • يُعطل جلسات انتخاب الحكومة عند الضرورة.
    • يُغيّر في رؤوس السلطة القضائية والتنفيذية وفق الاصطفافات.
    • يربط العملية السياسية بإرادة شخصيات محددة بدلًا من الإرادة الشعبية.

    مقارنة بمؤسسات تشريعية في دول مشابهة:

    • تونس ما بعد 2011، ورغم هشاشة المرحلة، تمكن برلمانها من إصدار دستور توافقي جديد عام 2014، وأشرف على انتخابات تشريعية دورية، وأسهم في إقرار قوانين مفصلية كقانون العدالة الانتقالية وقانون الهيئات الدستورية المستقلة، قبل أن تنقلب الأمور في 2021 نتيجة الصراعات الداخلية.
    • مصر شهدت ثلاث تجارب برلمانية بين 2011 و2015، وعلى الرغم من الجدل حول حيادية الانتخابات، إلا أن البرلمان أقرّ دستورًا جديدًا في 2014، وأعاد تشكيل المنظومة القانونية للدولة، وعقد دورات تشريعية مكتملة، مع إصلاحات في قطاعات كالقضاء والموازنة.
    • العراق، ورغم أزماته الطائفية والسياسية، حافظ على دورات انتخابية منتظمة منذ 2005، وعاش تداولًا سلميًا للسلطة داخل مجلس النواب، وتمكّن من إقرار قوانين مهمة تتعلق بالحكم المحلي، والموارد، والعدالة، في ظل صراع داخلي لا يقل تعقيدًا عن الحالة الليبية.
    • اليمن، قبل انقلاب 2014، كان مجلس النواب فاعلًا نسبيًا ضمن المرحلة الانتقالية التي أُطلقت بعد المبادرة الخليجية، وشارك في صياغة مسودة دستور جديد، رغم تعثر اكتماله لاحقًا بسبب الحرب.

    النتيجة: مرحلة انتقالية بلا انتقال

    مضى أكثر من عقد على إسقاط النظام السابق، ولا تزال ليبيا بلا دستور مستفتى عليه، وبلا مؤسسات منتخبة حديثًا، وبلا مصالحة شاملة. والسبب الأساسي: غياب برلمان يُؤمن بمسؤوليته التاريخية، ويعمل من أجل بناء الدولة بدلًا من التمسك بكراسيها.

    الامتيازات أولاً، الوطن لاحقًا: برلمان يبحث عن مصالحه لا عن حلول

    في بلد يعاني من أزمة اقتصادية خانقة، وارتفاع في معدلات الفقر، وتأخر في صرف المرتبات، وانهيار الخدمات الأساسية، تُطرح الأسئلة الكبرى: ما الذي يقدمه البرلمان الليبي؟ وما الذي يأخذه؟

    الواقع يكشف مفارقة صارخة: برلمان شبه معطّل، لكنه يتمتع بامتيازات كاملة، بل وأكثر.

    مرتبات ومزايا بلا مقابل

    • يُخصص لأعضاء مجلس النواب رواتب مرتفعة بالدولار والدينار، تصرف بانتظام، حتى في أوقات انقطاع الجلسات وغياب النصاب.
    • يحصل النواب على مخصصات سفر وإقامة وعلاج بالخارج، دون معايير شفافة، بينما يعاني المواطن البسيط في طوابير العلاج وجواز السفر.
    • لا توجد أي آلية معلنة لمحاسبة النواب المتغيبين أو المتقاعسين عن أداء واجبهم.

    لجان شكلية… ومكافآت حقيقية

    من يطّلع على الموقع الرسمي لمجلس النواب الليبي سيجد قائمة طويلة من اللجان الدائمة والمؤقتة، موزعة على عشرات النواب، بعضهم مسجّل ضمن ثلاث إلى خمس لجان، رغم أن كثيرًا من هذه اللجان لم تُصدر أي تقرير، ولم تُنجز أي تشريع، ولم تُحل عبرها أي أزمة.

    ورغم انعدام المخرجات، تُصرف مخصصات مالية وبدلات وامتيازات تحت ذريعة “عضوية اللجان”، دون نشر محاضر الاجتماعات أو بيانات الحضور أو آليات التقييم. بعض هذه اللجان تعمل – نظريًا – على ملفات كبرى مثل الدستور، المصالحة، أو النزاعات العقارية، لكنها عمليًا تحوّلت إلى مصدر دخل إضافي دون إنتاج فعلي.

    هذا الاستخدام المفرط والمبهم للّجان البرلمانية يُعدّ في الواقع:

    • وسيلة رسمية لزيادة دخل النواب بلا مساءلة.
    • غطاء لهدر المال العام عبر مخصصات لا يقابلها عمل فعلي.
    • إحدى أدوات تقنين الامتيازات الفردية داخل مؤسسة يُفترض أن تراقب المال العام لا أن تستهلكه بلا ضمير.

    لا شفافية مالية… ولا مساءلة

    • لا يُلزم النواب بتقديم إقرارات الذمة المالية.
    • لا توجد رقابة حقيقية على حجم النفقات أو المكافآت أو العقود التي تتم داخل البرلمان.
    • كل شيء يتم في دائرة مغلقة، بعيدة عن أعين المواطنين، والإعلام، وحتى الجهات الرقابية.

    الثقة المفقودة ليست صدفة

    حين يشعر المواطن أن النائب ينعم بامتيازات لا يستحقها، ويعيش في دائرة مغلقة من المزايا والصفقات، بينما هو يُكابد للحصول على خدمة أساسية، فإن انعدام الثقة ليس رأيًا، بل نتيجة منطقية لأداء لا يُغتفر.

    خاتمة: آن أوان المحاسبة… وليس الصمت

    بعد أكثر من عقد على انتخابه، لم يعد مجلس النواب الليبي مجرد مؤسسة ضعيفة الأداء، بل بات رمزًا للفشل المؤسسي، والانفصال عن الشعب، والتورط في الهدر المنهجي للمال العام.

    • برلمان لا يُشرّع،
    • لا يُراقب،
    • لا يُحاسب،
    • لا يتواصل مع الناس،
    • ولا يحترم أبسط قواعد الشفافية.

    في المقابل، يتمسك بالسلطة، ويُغدق على أعضائه الامتيازات، ويُراكم اللجان والمخصصات، في الوقت الذي يُترك فيه المواطن الليبي وحيدًا في مواجهة الانقسام، الفقر، والخذلان.

    هذا ليس اختلافًا في الأداء، بل خيانة للثقة العامة، وسرقة موصوفة للشرعية، وتحوّل البرلمان من أداة لبناء الدولة إلى عبء ثقيل على مستقبلها.

    لم يعد السكوت مقبولًا. لم يعد الخلاف بين السياسيين مبررًا لإبقاء هذه المؤسسة على حالها.

    آن الأوان لصوت الناس أن يُسمع:

    • لا شرعية بلا انتخابات جديدة.
    • لا تمثيل لمن لا يعمل.
    • لا رواتب وامتيازات بلا شفافية ومحاسبة.
    • ولا برلمان في بلد يعاني، دون أن يكون في الصفوف الأولى للإصلاح والمصالحة.

    هذه دعوة لكل مواطن، ولكل إعلامي، ولكل ناشط، ولكل جهة رقابية:
    كفى صمتًا. فلنُعد تعريف البرلمان كما يجب أن يكون: مؤسسة في خدمة الشعب، لا عبء على الدولة.

    قائمة المراجع والمصادر

    1. قانون رقم (29) لسنة 2023 م باعتماد الميزانية العامة للدولة
      المجمع القانوني الليبي – lawsociety.ly
      https://lawsociety.ly/legislation/القانون-رقم-29-لسنة-2023-م-باعتماد-الم
    2. الباروميتر العربي (Arab Barometer), الجولة السادسة – ليبيا، 2022
      https://www.arabbarometer.org
    3. موقع مجلس النواب الليبي الرسمي
      http://parliament.ly (لأرشفة اللجان، غياب محاضر الجلسات، التشكيل العام)
    4. البرلمان التونسي (Assemblée des représentants du peuple)
      https://arp.tn – أرشيف الجلسات والمشاريع حتى سنة 2021
    5. مجلس النواب المغربي
      https://www.chambredesrepresentants.ma
    6. بوابة البرلمان السويدي (Sveriges Riksdag)
      https://www.riksdagen.se – تتبع تصويت النواب، الشفافية الرقمية
    7. مجلس النواب المصري – البوابة التشريعية
      http://www.parliament.gov.eg
    8. مجلس النواب العراقي
      https://iq.parliament.iq
    9. الدستور المصري (2014)، المادة 11 والمادة 102
      بشأن تخصيص نسبة تمثيل للنساء.
    10. دساتير وتشريعات منشورة في الجريدة الرسمية الليبية
      تم تتبع القوانين من 2014 حتى 2024 لتوثيق ضعف الإنتاجية التشريعية.